عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

49

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

ومنها ما سمعته ممّن نثق به : أن الجراد نزل في بعض الأعوام في بلاد السّاحل في إبان وقت طياب الزّرع ، وهو حينئذ في غاية الخصابة ، ونزل منه بقديد وبالبلاد القريبة منه شيء كثير ، فضجّ النّاس لذلك ، وضاق ذرعهم من أجله فاجتمعوا من كل بلد وأتوا إلى الشيخ رحمه اللّه ، فركب وخرج معهم ، وخرج معه أبو علي عمّار ماشيا ، فقصدا موضع الجراد ، فلما وصلا إليه وقد تراكم بعضه على بعض أشار الشيخ رحمه اللّه بإحرامه عليه ثلاث مرات لم يزد « 1 » أكثر من ذلك ، ورجع الناس معه مطمئنين ، إن اللّه صرفه عنهم ببركة الشيخ . فلما أصبح الصباح خرجوا يتفقدون زرعهم ، فلم يجدوا من الجراد شيئا ولم يضر « 2 » منه سنبلة ، وكأن اللّه ضرب بينه وبين الزرع بسور ، فلما رجعوا أخبروا الشيخ بذلك فقال لهم : اشكروا اللّه عزّ وجل الذي صرفه عنكم وعافاكم . ومنها : أنه وقع ببلاد السّاحل ، خوف شديد ، من سبب عدوّ الدّين في البحر خذله اللّه ، واشتدّ خوف أهل سوسة من ذلك ، وكانوا يتوقعون [ نزولهم ] « 3 » كل ليلة ويوم ، فاجتمع مع الشيخ الصالح أبي عبد اللّه محمد الرباوي ، والشيخ الصالح أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الغالب ، واتفق رأيهم على الخروج لذلك ، فسمع الناس بخروجهم فاجتمع عليهم خلق كثير من أهل القيروان وأنظارها ، وأمرني بالخروج معه لذلك ، لأني كنت إمامه للصلاة ، فكنت أصلّي به ، فلما وصلنا إلى سوسة نزل الشيخ أبو علي بجنان عبد الوهاب ، بعد أن رغبه في ذلك ، ونزل الشيخ الرباوي معه فإنه كان لا يفارقه ، ونزل الشيخ أبو إسحاق إبراهيم في السبعاب « 4 » ، فاطمأنّ أهل البلد بذلك وسرّوا « 5 » بقدوم من قدم عليهم من الصّلحاء المذكورين سرورا عظيما ، فتذاكر الشيخان الأولان ليلة من اللّيالي حتى قال له أبو علي : هذا العدوّ المخذول قد كفى اللّه مؤنته وطمأن المسلمين منه ، وغدا نرحل إن شاء اللّه تعالى . ثم قال : يا شيخ أبا عبد اللّه أنت من السيّارة فعرّفني من تعرف من الأولياء ، فقال : لا أعرف إلا من أعاشره ، فقال له أبو علي : ما يسمى الشيخ شيخا إلا إذا قدم عليه وليّ عرفه ،

--> ( 1 ) زيادة حرف « على » أمام كلمة « يزد » في : ت . ( 2 ) ت : تضر . ( 3 ) ت : « نزول العدو بهم » . ( 4 ) ت : السبعات . وبهامش ط : « كذا » بمعنى : « كلمة غير مفهومة » . ( 5 ) ت : وساروا .